الإنتخابات البلدية... صورة عنّا

العدد 22

‎السجال الدائر حالياً حول الإنتخابات البلدية هو لوحة ذات أبعاد عدّة تعكس نظرة السياسيين اللبنانيين الى المواطنين. يبدو أن تسيير أمور المواطنين لا يندرج ضمن أولويات هؤلاء السياسيين، وإلا لما كانت طرحت فكرة تأجيل الإنتخابات البلدية في المجالس المغلقة كثيراً، وفي العلن قليلاً.‎لا شك أن أداء كثير من المجالس البلدية لا يستحق الثناء عليه، فالمفهوم الذي يحكم عمل معظمها يكتنف معظم مفاهيم السياسة في لبنان: الزبائنية، المنفعة، غياب الاهتمام بالمصلحة العامة، استبعاد الرأي المختلف... ولكن، رغم ذلك، هو استحقاق انتخابي، أي الوسيلة الوحيدة لإدلاء اللبنانيين برأيهم بحسب نظامنا السياسي الذي لا يتضمن في اوالياته مفهوم المشاركة إلا موسمياً، عند الاستحقاقات الانتخابية.‎الإنتخابات البلدية ليست استحقاقاً عابراً. ففي العصر الذي نعيش فيه، وفي ظل تراجع دور الدولة، لا بديل عن العمل على تطوير مفهوم اللامركزية الإدارية من أجل الوصول الى تنفيذ سياسات فعالة لا يمكن الوصول اليها إذا ما تمّت معالجة شؤون المواطنين بصورة مركزية. من هنا أهمية العمل على تفعيل نشاط الهيئات المحلية، لأنها أقدر من السلطات المركزية على ذلك بسبب قربها من المواطنين وإدراكها الأفضل لمشاكلهم وحاجاتهم.‎إن أفضل وسيلة لمحاربة الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة اللبنانية تكمن في العمل على تعميم ثقافة المحاسبة والمساءلة لدى المواطنين. العمل انطلاقاً من الدوائر الأكثر قرباً من المواطنين، كما هي الحالة بالنسبة للسلطات البلدية، يحقق نجاحات عملية. فالعلاقة بين هذه السلطات وبين المواطنين الداخلين في نطاق عملها هو نموذج مصغّر عن العلاقة بين السلطات المركزية وعموم المواطنين. في الحالتين هناك سلطة تمارس مجموعة من الوظائف، وهناك المواطنين الذين يمتلكون سلطة معاقبة هذه السلطات من خلال الإنتخابات الديمقراطية.‎يزيد إرساء مفهوم مشاركة المواطنين السياسية، وممارسة حقهم الديمقراطي الإنتخابي ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على محاسبة السلطات على اخطائها، ما يساهم في إنتقالهم من حالة عدم المبالاة التي تستفيد منها السلطات الفاسدة، الى حالة من الاهتمام بالشأن العام والسعي الى تطوير نوعية السياسات التي تتبناها السلطات المحلية والمركزية كون كلّ قرار تتخذه هذه السلطات سينعكس سلباً أو إيجاباً على حياة المواطنين أنفسهم.‎إن تعزيز الثقافة الديمقراطية، وثقافة المساءلة والمحاسبة في المحليات (البلديات) سيساعد على تعميم هذه الثقافة على مستوى الوطن كلّه. ولذلك، فإن الربط بين إصلاح قانون البلديات وإصلاح القانون الإنتخابي من منطلق العمل على توعية المواطنين، أو "تدريب المواطنين" بحسب تعبير الوزير زياد بارود، هو مبادرة تستحق التنويه بها.
 

بؤس يساريَن

العدد 22

يبدو اليسار اللبناني في مشهديه، الشيوعي – القومي من جهة والديمقراطي الوسطي من جهة ثانية – في حالة إفلاس لم يسبق أن شهدها من قبل.
فبين يسار يختصر السياسة اللبنانية بهجاء الطائفية والطوائف (وكأنها مخلوقات معزولة وغريبة عن لبنان وتاريخه)، ويقفز الى الوضع الإقليمي فيختزل شجون المنطقة ومآسيها بجدار تبنيه مصر على حدود غزة (وهو بأي حال جدار عار لكنه ليس سبب التيه الفلسطيني ولا البؤس العربي)، ثم ينطلق الى الوضع العالمي فلا يرى في كل ما يجري في القارات الخمس سوى مكائد أميركية (من هايتي الى دارفور فاليمن)، وبين يسار يكاد بالمقابل يخجل من المجاهرة بالعلمنة مخترعاً مصطلحات عجائبية من نوع "الدولة الطبيعية"، ويسمّي أنظمة عربية مهترئة "اعتدالاً"، ثم يغيب عن باله أن ثمة أموراً في العالم وعلاقاته الدولية ومصالح الأطراف فيه تدور بمعزل عن لبنان وسيادته، بين هذين اليسارَين يضيع معنى اليسار ويختفي دوره. والدور هذا، في بلاد مثل بلادنا، أخلاقي ورمزي إضافة الى كونه سياسياً.
وفي حالة اليسار الأول، الذي بلغت الصفاقة ببعض أطرافه حدّ تكريم دكتاتور بائد هو صدّام حسين، صار التماهي مع العديد من تيارات الإسلام السياسي (التي سمّاها مرّة ظلامية) بحجة "الممانعة" تماهياً لا تعكّره سوى مسلكيّات فردية خاصة بالمشرب والمأكل والملبس. بهذا، يصبح الانتماء الى معسكر يجمع الطالبان والقاعدة والبعث (ببقاياه العراقية وبحكمه السوري) وحزب الله وحماس ونظامي أحمدي نجاد وعمر البشير – مع بعض الزينة التشافيزية – انتماء طبيعياً لكون المقياس مناهضة أميركا فعلاً أو لفظاً (حتى ولو أدمت ممارسات المناهضة هذه شعوباً بحالها). وإن عُطف الموقف المذكور، على تسخيف اليسار عينه للبنان واستقلاله وشتمه لطائفيته، صارت الفضيحة أعظم، إذ أن الطائفية في لبنان - على قباحاتها ومساوئها - أقل فتكاً بالمجتمع منها في معظم الدول المتعاطَف معها، ناهيك بأن من يناصر تيارات ليست طائفية فحسب بل ودينية أيضاً يُستغرب بعد ذلك هوسه بالطوائف.
أما في حالة اليسار الثاني، فبعد صعود ومشاركة فاعلة في انتفاضة الاستقلال عام 2005، صار الصمت والعجز عن التحليل واتخاذ المواقف والخوض في المحاججات سمة رئيسية تخرقها بين شهر وآخر بيانات وتصريحات يخالها القارئ مسودّات مواضيع إنشاء في صفوف تكميلية، حيث بعض الشعارات والعموميات حول الحرية والاستقرار والسلم والعدل تُتَوّج بعبارات من نوع "بناء الدولة"، وكأن البناء هذا نشاط مهني ونقابي أو جائزة يُكافأ عليها من ينادي بها أكثر من غيره. وهكذا، يغيب المنطق السياسي، ويتخبّط ما يصدر من مواقف متفرقة بالتناقضات، وبالعجز عن بلورة قراءة علمية لأزمة النظام والدولة والمجتمع كما للأحداث والظروف، محلية كانت أو خارجية.
هل هذا يعني أن اليسار فقد مبرّر وجوده في لبنان؟
لا نعتقد ذلك. فالفكر الجدلي الذي أنتج أدوات معرفية تشرّح الواقع وتحلّله، والموقف الأخلاقي المحصّن للسياسة، والمزاوجة بين فهم الواقع والتعامل مع حيويّاته وبين التوق الى تغييره من دون أوهام أو مبالغات، والأهم من ذلك، الدفاع عن منطق متماسك لا يخشى الابتزاز ولا يستسلم للسهولة ولازدواجية المعايير، جميعها ما زالت مسائل يحتاج إليها الاجتماع السياسي اللبناني، وأكثر من أي وقت مضى. وإن أضفنا إليها ضرورة السعي في لبنان اليوم الى خلق ديناميات مواطنية متحرّرة من الأثقال المذهبية والطائفية، والى تحقيق تنمية اجتماعية تقلّص الفوارق الطبقية والمناطقية، والى سن تشريعات تلغي التمييز ضد المرأة وتمنح الحقوق للاجئين والمهمّشين، وقعنا على الحاجة لبناء يسار جديد يعيد الى اليسار دوره وبريقه.